أحمد بن محمد القسطلاني
246
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
حمران ) هذا استدراك من ابن شهاب ، يعني أن شيخيه اختلفا في روايتهما له عن حمران عن عثمان رضي الله عنه فحدّثه عطاء على صفة وعروة على صفة ، وليس ذلك اختلافًا وإنما هما حديثان متغايران ، فأما صفة تحديث عطاء فتقدمت وأما صفة تحديث عروة عنه فأشار إليها بقوله : ( فلما توضأ عثمان ) رضي الله عنه عطف على محذوف تقديره عن حمران أنه رأى عثمان رضي الله عنه دعا بإناء فأفرغ على كفّيه إلى أن قال : فغسل رجليه إلى الكعبين ، فلما توضأ ( قال : ألا أحدّثكم ) وفي رواية الأربعة لأحدّثنكم أي والله لأحدّثنكم ( حديثًا لولا آية ) ولابن عساكر لولا آية ثابتة في كتاب الله تعالى ( ما حدّثتكموه ) أي ما كنت حريصًا على تحديثكم به ( سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حال كونه ( يقول : لا يتوضأ ) وفي رواية لا يتوضأن بنون التوكيد الثقيلة ( رجل يحسن ) وفي رواية الأربعة فيحسن ( وضوءه ) بأن ويأتي به كاملاً بآدابه وسننه ، والفاء بمعنى ثم لأن إحسان الوضوء ليس متأخرًا عن الوضوء حتى يعطف عليه بالفاء التعقيبية ، بل هي لبيان الرتبة دلالة على أن الإجادة في الوضوء أفضل وأكمل من الاقتصار فيه على الواجب ، ( ويصلي الصلاة ) المفروضة ( إلا ) رجل ( غفر له ) بضم الغين وكسر الفاء ( ما بينه وبين الصلاة ) التي تليها كما في مسلم من رواية هشام بن عروة أي من الصغائر ( حتى يصليها ) أي يفرغ منها ، فحتى غاية يحصل المقدر في الظرف إذ الغفران لا غاية له . وقال في الفتح : حتى يصليها أي يشرع في الصلاة الثانية . ( قال عروة الآية : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا } . [ البقرة : 159 ] ولابن عساكر { مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ ) ، وفي رواية " مَا أَنْزَلْنَا " الآية أي التي في سورة البقرة إلى قوله : { ويلعنهم اللاعنون } كما في مسلم . وهذه الآية وإن كانت في أهل الكتاب فهي تحثّ على التبليغ ، ومن ثم استدلّ بها في هذا المقام لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على ما عرف في محله ، ثم إن ظاهر الحديث يقتضي أن المغفرة لا تحصل بما ذكر من إحسان الوضوء بل حتى تنضاف إليه الصلاة . قال ابن دقيق العيد : الثواب الموعود به يترتب على مجموع الوضوء على النحو المذكور ، وصلاة الركعتين بعده به والمترتب على مجموع أمرين لا يترتب على أحدهما إلا بدليل خارج ، وقد أدخل قوم هذا الحديث في فضل الوضوء وعليهم في ذلك هذا السؤال . ويجاب بأن كون الشيء جزءًا فيما يترتب عليه الثواب العظيم كافٍ في كونه ذا فضل فيحصل المقصود من كون الحديث دليلاً على فضيلة الوضوء ، ويظهر بذلك الفرق بين حصول الثواب المخصوص وحصول مطلق الثواب ، فالثواب المخصوص يترتب على مجموع الوضوء على النحو المذكور والصلاة الموصوفة ، وفضيلة الوضوء قد تحصل بما دون ذلك انتهى . وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الصحيح " إذا توضأ العبد خرجت خطاياه " الحديث . وفيه أن الخطايا تخرج مع آخر الوضوء حتى يفرغ من الوضوء نقيًّا من الذنوب وليس فيه ذكر الصلاة . وأجيب : بأن يحمل حديث أبي هريرة عليها لكن يبعده أن في رواية لمسلم من حديث عثمان رضي الله عنه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة . وأجيب باحتمال أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص ، فربَّ متوضئ يحضره من الخشوع ما يستقل وضوءه بالتفكير وآخر عند تمام الصلاة ، والله تعالى أعلم . 25 - باب الاِسْتِنْثَارِ فِي الْوُضُوءِ ذَكَرَهُ عُثْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( باب الاستنثار في الوضوء ) وهو دفع الماء الذي يستنشقه المتوضئ أي يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله فيخرجه بريح أنفه سواء كان بإعانة يده أم لا ( ذكره ) أي الاستنثار ( عثمان ) بن عفان رضي الله عنه فيما رواه المؤلف موصولاً في باب مسح الرأس كله كما تقدم ، ( وعبد الله بن زيد ) فيما وصله المؤلف فيما سيأتي إن شاء الله تعالى ، ( وابن عباس رضي الله عنهم عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، وفي رواية ابن عساكر والأصيلي وعبد الله بن عباس وتقدم حديثه موصولاً عند المؤلف ، في باب غسل الوجه من غرفة ، لكن ليس فيه ذكر الاستنثار ، قال في الفتح : كأن المصنف أشار بذلك إلى ما رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديثه موقوفًا استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا .